محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
50
رسالة في حجية الظن
لأنا نقول انّه لا يلزم من مجرد ذلك امكان تحصيل العلم إذ يقع الشك في ترجيح بعض المحتملات على بعضها كما قد يقع الشّك في بطلان البعض وأيضا قد يقع الشك في انّ الحكم فيما لا نصّ فيه هل هو الاحتياط أو البراءة والنّقل لا يفيد سوى الظّن سيّما بعد تعارضه من الطرفين والعقل أيضا متعارض فانّه كما يحكم بقبح التكليف عند الجهل به كذلك قد يحكم بوجوب دفع الضرر المحتمل فغاية ما يتحصّل بعد النظر والتّرجيح هي الظّن وبالجملة تحصيل العلم بحكم الواقعة لا يتم الّا بعد ثبوت الماخذ والحجّية في غير المعلومات واما الثاني فلانّ خلوّ المكلّف في ظرف الخارج عن مقتضى واحد من الاحكام ممّا يكون محالا عقلا وعادة فلا معنى لتعلّق الوجوب به كما لا يخفى واما الثالث فلان وجوب الافتاء مطلقا على كلّ أحد ممنوع والدّليل عليه مفقود مضافا إلى أنه فرع العلم أو الظن المعتبر ومع فقدهما فلا وامّا الرابع فلان جعل الحكم حكما للواقعة والاخذ بها من غير دليل باطل قطعا ومعه فرع وجود الدّليل المعتبر والتفويض إلى اختيار المكلّف وارادته مقتضى التخيير الّذى حكموا ببطلانه أقول انّ ما استظهره المورد اعني الوجه الاوّل من الوجوه المذكورة في شرح المراد بتفسير البقاء بوجوب البناء غير مراد كيف لا وصريح التفسير المشار اليه يقضى بان الغرض وجوب البناء على حكم من الاحكام ولو كان هو الإباحة واين هذا من وجوب تحصيل العلم وأيضا ما ذكره من أن المدار في حجيّة الاجماع على الكشف عن قول الإمام عليه السّلم بعد فساد اعتبار القول بكون المدار على الكشف عن الرأي اللهم إلّا ان يكون المقصود بالقول هو الرأي كما يطلق القول على الرّأي مدفوع بما حرّرناه في محلّه من أن المدار على إفادة العلم من جهة تراكم الظّنون والمرجع في حجيّة الاجماع إلى حجيّة العلم وأيضا ما ذكره في تزييف الوجه الثّالث يكشف عن كون الغرض من الوجه الثّالث هو وجوب الافتاء في جميع الوقائع بل هذا هو الظّاهر من الوجه المشار اليه لكن صريح التفسير المتقدّم يقضى بان الغرض الوقائع الواردة على الشخص لا مطلق الوقائع وامّا التفسير الأخير فبعد رجوعه كما مرّ إلى تفسير التكاليف الواقعيّة بالتكاليف الظاهريّة وقد مرّ الكلام فيه مدفوع بظهور بقاء التكاليف الواقعيّة في بقائها على ما هي عليه من غير أن يكون لها بدل وبعد ما مرّ أقول انه لا شكّ في إناطة استحقاق العقاب على ترك الواجب وفعل الحرام بالاطلاع على الوجوب والحرمة علما أو ظنّا ثبت حجيّته كيف لا ولولا هذا لما قام من اصالة البراءة عود ولا عمود وان قلت إنه لو كان الامر على ذلك فكيف وقع الكلام في باب معذوريّة الجاهل القاصر في عباداته قلت انّ المقصود بالعذر في عبادات الجاهل القاصر والمقصّر انما هو الصّحة كما يظهر بالرّجوع إلى كلماتهم في باب الجاهل وان قلت إنه لو كان الامر على ذلك فكيف ذكر في كلماتهم اختصاص العذر بالجاهل بقصر الصّوم في السّفر فإنه إذا صام لا يجب عليه القضاء والجاهل بحرمة وطى الحائض والجاهل بعدم جواز الإفاضة من عرفه قتل الغروب والجاهل بالجهر والاخفات وقال العلّامة في القواعد والجاهل عامد الا في الجهر والاخفات وغصبيّة الماء والثّوب والمكان ونجاستهما ونجاسة البدن وتذكية الجلد المأخوذ من مسلم ومقتضاه عدم معذوريّة الجاهل في غير ما ذكر قلت الظاهر أن المقصود بما ذكر في كلماتهم من اختصاص العذر بالموارد الأربعة انّما هو اختصاص العذر في الجهل الناشى عن التقصير وبما ذكر يظهر الحال فيما ذكره العلّامة من العذر في الجهر والاخفات واما سائر ما ذكره فالامر فيه من باب الشّبهة الموضوعية ولا يرتبط بما نحن فيه وان قلت إن مقتضى تعريف الواجب والحرام في كلماتهم بما يستحقّ فاعله الثواب وما يستحق تاركه العقاب عدم إناطة استحقاق الثواب والعقاب بالعلم قضيّة اطلاق التّعريفين قلت الظّاهر ان الإطلاق في مقام الاجمال اعني ان الغرض كون المدار في الواجب على حال الترك من حيث استحقاق العقاب قال الفعل في الحرام وفي الحرام على حال الفعل قبال التّرك في الواجب وليس الغرض بيان حال العقاب تفصيلا حتى يقتضى عدم اشتراط العلم ويمكن ان يقال إن مقتضى ما ذكر في كلماتهم من انّ النزاع في عقليّة الحسن والقبح انّما هو في الحسن والقبح بمعنى استحقاق الفاعل للمدح عاجلا والثّواب آجلا واستحقاق الذمّ عاجلا والعقاب آجلا انّما هو كون استحقاق الثواب والعقاب على نفس الفعل ليس الّا بل مقتضاه عدم إناطة الثواب بقصد القرية بل مقتضى ما في كلماتهم من تمثيل الحسن بالاحسان هو ترتّب الثواب على الإحسان بدون قصد القربة بناء على ما سمعت من أن المتنازع فيه في باب عقليّة الحسن والقبح هو الحسن بمعنى ترتّب المدح والثواب في العاجل والاجل والقبح هو الحسن بمعنى ترتّب الذمّ والعقاب في العاجل والاجل بل مقتضى ما ذكره شيخنا البهائي من انّ حسن الإحسان وقبح العدوان ممّا